قضايا و حوادث رحلة في معالم طيف التوحّد: تونسيّة تتحدّث عن طفلها المصاب به... ولدى البعض تحوّل إلى مصدر إلهام وعبقرية
«لم أكن أتوقع أن أنجب طفلا مصابا بالتوحّد بل لم أكن أعرف حقيقة هذا المرض ومفهومه بالمعنى الشامل إلاّ حين ولادتي بابني البالغ من العمر اليوم 8 سنوات والذي اكتشفنا اختلافه وإصابته بالتوحّد تحديدا عند بلوغه السنتين والشهرين وذلك عن طريق طبيب الأطفال المتابع لحالته ومن تلك اللحظة تغيّرت حياتي..
أصبح ابني هو شغلي الشاغل، لم تكن رعايته بالأمر الهيّن والسهل فأن تعلم أنّ طفلك لا يردُّ الفعل شأنه شأن أيّ طفل في مثل سنّه حيث تأخّر نطقه كما أنّه يرفض التأقلم اجتماعيا مع من حوله، هو حتما لأمر مؤلم جدا ويتطلّب الكثير من التضحيات...
بعد أن علمت ما يعاني منه طفلي وأنّ حالة النموّ لديه مختلفة تماما عن سائر الأطفال في عمره، بدأت مسيرة رعايته الاستثنائية ومتابعته طبيا ونفسيا من بينها معالجة مشكلة العسر في النطق لديه والتي مازال يعاني منها إلى يومنا هذا علما وأنّني فضّلت الاعتناء به شخصيا عوض تكليف مركز مختص برعاية الأطفال المصابين بالتوحد.
واليوم أدمجت ابني بالسنة الأولى باحدى المدارس الابتدائية الحكومية ورغم أنه مازال يعاني من مشاكل في النطق إلاّ أنّ قدرته على التعلّم والكتابة عادية..
أطفال التوحّد «كان تلقفوهم على بكري تنقذوهم» هكذا توجّهت السيّدة «سهير» في حديثها مع مجلة أخبار الجمهورية برسالة إلى جميع العائلات التونسية التي اكتشفت أنّ طفلا لديها مصاب بالتوحّد، رسالة جاءت طافحة بالكثير من المعاني والعبر من بينها أنّه ثمّة أمل مع طيف التوحد والذي على عكس المعتقد السائد ليس مرضا عقليا، بل هو عبارة عن اضطراب عصبي عقلي معقد يؤثر على وظائف الدماغ الطبيعية التي تسبب سلسلة من مشاكل النمو العديدة، ويكون أكثرها وضوحا في التواصل، والتفاعل الاجتماعي والسلوك.
ماهو طيف التوحّد؟
التوحد هو عبارة عن اضطراب عادة ما يُلاحظ على الطفل في ســــنّ مبكّـــــرة، حيث يؤثر على تطوّره وجوانب من نموّه المختلفة، فيكون تطوره غير طبيعيّ، ويظهر خللاً في تفاعله الاجتماعي، ويتميـــــز بتكرار أنماط سلوكية معيّنة، وبضعــــف تواصله سواء اللفظي أو غـــير اللفظي مـــع الآخرين.
وقد تتساءلون عن الأسباب الكامنة وراء إصابة طفل بطيف التوحد والتي اختلفت وتباينت حيث لايوجد عامل واحد معروف باعتباره المسبب المؤكد، بشكل قاطع له، فثمة الاعتلالات الوراثية التي اكتشف الباحثون وجود عدة جينات يرجح أن لها دورا في التسبب بالذاتوية أو ما يوصف بالتوحّد. وبعض هذه الجينات يجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب، بينما يؤثر بعضها الآخر على نمو الدماغ وتطوره وعلى طريقة اتصال خلايا الدماغ فيما بينها. ومن الممكن أن جينات إضافية، أخرى، تحدد درجة خطورة الأمراض وحدّتها.
هذا فضلا عن عوامل أخرى لظهور طيف التوحد والتي مازالت تخضع للبحث والدراسة في الآونة الأخيرة وتشمل مشاكل أثناء مخاض الولادة، أو خلال الولادة نفسها، ودور الجهاز المناعي في كل ما يخص الذاتوية (التوحد).
علامات إصابة طفلك بالتوحّد...
ولأن طيف التوحد يختلف بشكل كبير من حيث علاماته من فرد إلى آخر، فإنّ عملية تشخيصه تظلّ صعبة إلى حد ما، ومن أجل الوصول إلى تشخيص صحيح، يجب خضوع الطفل إلى مجموعة من الفحوصات تختبر نموه وتشمل مهاراته في التحدث، واللغة، والأمور النفسية.
وعلى الرغم من ظهور علامات وأعراض التوحد بعد 18 شهرا (أي سنة و6 أشهر)، فلا يجري التشخيص عادة إلا بعد بلوغ الطفل العامين أو الثلاثة، حيث يكون التأخر في النطق واضحا أكثر، ويفضل تشخيص الطفل مبكرا، لأن التدخل المبكر( أي قبل بلوغ الطفل عامين ونصف أو ثلاثة) يساعد على تحسن مقدرات الطفل وحدوث تغيير واضح في سلوكه.
ومن أهم الأعراض التي تبيّن الإصابة بالتوحّد هي المشاكل في اللغة والنطق حيث يبدأ الأطفال المصابون بالتوحد بالكلام متأخرين في السن الذي يفترض أن يتحدث به الأطفال الطبيعيون، وقد لا يتمكنون من البدء أو المبادرة بإجراء أو المشاركة في حديث بين شخصين. كما أنهم يجدون صعوبة في التعبير عن احتياجاتهم ويستبدلون ذلك بمجرد الإشارة على الشيء الذي هم بحاجة إليه بدلا من نطق اسمه.
ويقوم الأطفال المصابون بالتوحد بتكرار لفظ الكلمات أو العبارات بدلا من إعادة قولها في جملة كاملة كما يجب، كما يعاني أطفال التوحد في نطقهم من خلوّه من أيّة عواطف طبيعية.
المهارات الاجتماعية
يفشل الأطفال المصابون بالتوحد في التفاعل مع الآخرين وإقامة علاقات شخصية طبيعية، ويبدو وكأنهم يعيشون في عالمهم الخاص، وأحيانا لا يستجيبون عندما ينادون بأسمائهم ويبدون وكأنما أصابـهـم الصمم، ولا ينظرون في عيني المتحدث مباشرة، ويقاومون المعانقة أو مسك اليد، ما يمثل عبئا كبيرا على الأم ويوتر العلاقــــــة بينهما.
وكثيرا ما يكون للأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب هاجس التعلق بالأشياء التي تدور بالتحديد، والارتباط بالأعمال الروتينية المعتادة. وأيّ تغيير طفيف في الروتين أو تحريك شيء ما من مكانه قد يؤدي إلى إثارة الطفل للبدء بنوبة غضب وصراخ.
الحساسية المفرطة
يكون الأطفال المصابون بالتوحد شديدي النشاط أو شديدي الهدوء، ومن الممكن أن يكونوا شديدي الحساسية أو منعدمي الإحساس تجاه الألم، هذا كما يمكن أن يكونوا شديدي الحساسية للمؤثرات الخارجية مثل الضوء أو الصوت أو اللمس، وفي بعض الحالات قد تظهر على الطفل المصاب بالتوحد سلوكيات عدائية شديدة أو سلوكيات مؤذية للنفس مثل خدش الجلد أو ضرب الرأس على الحائط.
ومن الجدير ذكره أنه من الممكن أن يعيش الأطفال الذين تكون أعراضهم معتدلة حياة طبيعية أو قريبة من الحياة العادية، والتعلم بسرعة والتمتع بنسبة ذكاء تتراوح بين الطبيعية والعالية. والأمر الوحيد الذي قد يجدون صعوبة فيه هو التواصل مع الآخرين والتكيف مع المواقف الاجتماعية، والتي يمكن تداركها من خلال الطب النفسي، وقد يعاني الآخرون من حالة شديدة من المرض مع وجود حالة من التخلف العقلي مما يتطلب عناية مدى الحياة.
هل هناك علاقة بين الإعاقة الذهنية وطيف التوحد؟
تتشابه الكثير من السلوكيات والأعراض بين الإعاقة الذهنية وطيف التوحّد، فقد يؤثر كلاهما على قدرة الكلام عند الطفل ويؤثر أيضا على العديد من المهارات المعرفية والسلوكية لدى الأطفال وهو ما يجعل الأمر ملتبسا على الكثيرين وقد يكون التشخيص أكثر صعوبة وخاصة في الحالات الشديدة من التوحد.
إذ يمكن القول إنّ السبيل الوحيد للتمييز بينهما هو الفحص والخضوع لاختبار الذكاء، فقد تتفاوت معدلات الذكاء لحالات التوحد بين متوسط وفوق متوسط وقد يصل بعضهم إلى درجة عالية من الذكاء.
ومما هو جدير بالذكر أن احتمالية إصابة الأطفال التوحديين بالتأخر الذهني أكبر بكثير من سواهم غير مصابي التوحد، وعلى الرغم من ذلك لا توجد علاقة واضحة بينهما وإن كانت الأبحاث العلمية مستمرة علّها تجد أية علاقة جانبية قد تربطهما معا.
هل ثمّة مراكز تعنى
بأطفال التوحّد في تونس؟
للأسف يمكن القول إنّ المراكز والجمعيات التي تعنى بالأطفال المصابين بالتوحد في تونس تكاد تكون منعدمة حيث تهتم أغلبها بصنفين مختلفين أولا بالأطفال الحاملين لذوي الإعاقات الذهنية الخفيفة وثانيا بالحاملين للإعاقات الذهنية المعقّدة أو الشديدة، ويتم إيواء أطفال التوحد بالمراكز التي تهتم بالصنف الأول المذكور مع غيرهم ممن لهم صعوبات متفاوتة في ملكة النطق والتعلّم والمهارات الإدراكية..
حينما يتحوّل التوحّد إلى مصدر إلهام
على صعيد مقابل ونظرا لأنّ طيف التوحّد يعتبر من بين الاضطرابات التي شغلت العالم أجمع، ما دفع ببعض الروائيين أو كتّاب السيناريوهات إلى استثماره لانتاج أعمال عالمية تتحدّث عن مشاكله، لترسّخ في أذهان المتلقي مشاهد قوية نقلت معاناة هذه الفئة من المصابين به، وفي ما يلي قائمة بأشهر هذه الأعمال:
«Rain Man رجل المطر» وهو فيلم درامي أنتج سنة 1988، ينقل قصة حقيقية عن الأمريكي Kim Peek، المصاب بالتوحد والذي يمتلك ذكاء استثنائيا في الآن ذاته.
فيلم «My Name is Khan» الهندي المنتج سنة 2010 ويتحدث عن قصة معاناة المصابين بالتوحد.
فيلم «I Am Sam» الدرامي والمنتج سنة 2001، قصة قاسية التصقت بالأذهان، حيث قدم شون بن وميشيل فايفر وداكوتا فانينغ، قصة العلاقة بين أب مريض بالتوحد،ينجب طفلة عادية ويقاتل من أجل الحصول على حكم بالوصاية عليها.
«Mercury Rising» فيلم أنتج عام 1998، ولعب أدوار البطولة فيه كل من بروس ويلس، أليك بولدوين، في قصة تنقل حياة طفل مصاب بالتوحد، يكشف لغز شفرة تابعة لوكالة الأمن الوطني الأمريكية على الأنترنت قالت عنها إنها غير قابلة للاختراق.
فيلم «forrest gump» أنتج في 1994، وهو دراما رومنسية أمريكية، استقيت قصتها من رواية حملت ونستون جرووم الصادرة عام 1986. وتقدم القصة حياة فورست غامب المتوحد من ولاية ألاباما، والذي عايش أحداثا قوية في الفترة ما بين 1944 إلى 1982.
Whats Eating Gilbert Grape أنتج الفيلم في 1993، ويصنف هذا الفيلم على أنه أكثر الأفلام، التي تحدثت عن التوحد بشكل واقعي، فهو يحكي معاناة أسرة، وبالأخص جيلبرت «جوني ديب» الذي ألقي على عاتقه همّ أخيه الصغير المصاب بالتوحد «آرني» الذي يعشق التسلق.
علماء وعباقرة عانوا
من طيف التوحد
عانى كثير من العلماء من متلازمة «إسبرجر»، لتصبح بداية طريق الشهرة لهم، وتعتبر هذه المتلازمة أدنى درجة من «التوحد» من أكثر المتلازمات التي صاحبت مشاهير العالم، التي تنتج عن اضطرابات النمو الوجداني بالمخ والقدرة على التعايش مع الآخرين، لتصاحبها متلازمة أخرى تعرف بـ«العبقرية» التى جعلت من هؤلاء المرضى بشيء من الإصرار أكبر مشاهير العالم.
ومن بين هؤلاء المشاهير نذكر فان غوخ الرسام الهولندي الشهير ويقال إنه كان يعاني من نوبات عقلية، صنفت فيما بعد بـ«التوحد» وقد كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي الذي اتجه إليه للتعبير عن مشاعره وعاطفته وفي آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.
ألبرت أينشتاين: كان أينشتاين، العالم الذي طور النظرية النسبية يعاني من متلازمة إسبرجر التي لا تؤدي إلى صعوبات في التعلم، وكان منعزلًا يكرر الجمل بهوس حتى سن السابعة، وعندما أصبح يافعًا كان يلقي محاضرات صعبة الفهم، وقد كان يسمى الأستاذ غائب العقل absent minded.
وعندما تم تشريح جثته بعد الوفاة تبين أن مخه يحمل علامات مرض التوحد ومشاكل التحدث.
إسحاق نيوتن: أجمع المؤرخون على أن نيوتن الذي صاغ قوانين الحركة وقانون الجذب العام التي سيطرت على رؤية العلماء كان يعاني من صفات توحدية، فقد كان لا يستطيع التأقلم مع الناس، يتكلم قليلًا، عكر المزاج مع أصدقائه القليلين المقربين له، وكانت لديه صعوبة في التواصل مع الآخرين، نيوتن كان ينهمك في عمله حتى يكاد ينسى الأكل.
بيل جيتس: أثبت الفحص الطبي، أن مؤسس شركة مايكروسوفت وإمبراطور الكمبيوتر، ما زال حتى الآن يعاني من عارض إسبرجر، وقد كان في طفولته فضوليًا وغريب الأطوار، وفي شبابه لم يكن متزنًا.
الفنان الشهير فولفغانغ أماديوس موزارت: عانى أيضا من التوحد منذ الطفولة، لكنه اتجه نحو طريق آخر من العبقرية وهو في سن صغير، حيث بدأ ممارسة العزف في سن الخامسة، وفي سن السادسة بدأ بالمشاركة في الحفلات، وفي سن السابعة شارك موزارت في جولة موسيقية جابت أوروبا مع أسرته، ليبدأ طريقه مع النجومية.
ملف من إعداد: منارة تليجاني